الشيخ محمد الصادقي

302

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

75 - قالَ خضر لموسى أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ من ذي قبل إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ في هذه الرحلة صَبْراً فكيف تصاحبني إذا ، وقد كان معذورا لظاهر الشرعة بحاضرها المعلوم عنده . 76 - قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي استمراريا لهذه الرحلة ، إذ قَدْ بَلَغْتَ إذا مِنْ لَدُنِّي أنا عُذْراً أنا أعذرك فيه . 77 - فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ في طريقهما ، وكانا جائعين ف اسْتَطْعَما أَهْلَها لضرورة الاستطعام جوعا بالغا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما على أية حال فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ لعتاقته ورخوته فَأَقامَهُ خضر ، دون أن يطلب أجرا قالَ له موسى لَوْ شِئْتَ مستحيلا تلك المشيئة لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فإنه هنا فرض لضرورة الجوع المقتضي للحصول على طعام ، أفيواجه تلك اللئامة بهذه الكرامة على ضعف في البنية وجوع . 78 - قالَ هذا المقام هو فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ كما قررت وقررت أنت أخيرا سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مأخذ ومرجع ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً وأنت معذور كما أنا معذور . 79 - أَمَّا السَّفِينَةُ التي خرقتها فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ مما يدل على أن المسكنة تناسب مالا ما دون الفقر حيث يفقر الظهر فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها لمصلحة وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً فلا يأخذ هذه المعيبة ، ترجيحا للأهم على المهم ، فهذه ضابطة في وجوب الحفاظ على الأهم تفدية للمهم . 80 - وَأَمَّا الْغُلامُ والغلمة تناسب بعد التكليف كما تناسب قبله وهي هنا بعده كما سبق فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنا وأنت بحكم اللّه ، مهما خفي عنك موضوعه أَنْ يُرْهِقَهُما اضطراريا يسلب عنهما كل إختيار طُغْياناً على الحق وَكُفْراً به ، والارتداد فطريا كما هنا يكفي في هدر الدم ولا سيما مع ذلك الإرهاق الإزهاق لإيمانهما ، فليس فيه قصاص قبل جناية ، حيث الارتداد - ولا سيما المرهق للغير طغيانا وكفرا - هو جناية حاضرة . 81 - فَأَرَدْنا بذلك القتل المفروض زيادة هي أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما به خَيْراً مِنْهُ زَكاةً طهارة لم تكن عنده وَأَقْرَبَ رُحْماً يرحمهما به إيمانيا ، ولم يكن الأول بهما رحيما ، فهذه مبررات ثلاث في قتل هذا الغلام ، مهما استقلت كلّ منها أو انضمت إلى غيرها منها . 82 - وَأَمَّا الْجِدارُ الذي أقمته فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي هذه الْمَدِينَةِ البخيلة الممسكة وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما يفيدهما ، على يتمهما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً كما هما صالحان فَأَرادَ رَبُّكَ بما فعلت أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً عليهما وعلى أبيهما مِنْ رَبِّكَ الذي رباك فيربيهما كما ربك وَما فَعَلْتُهُ إقامة لجدار ، وقتلا لغلام وخرقا للسفينة عَنْ أَمْرِي بل عن أمر ربي ذلِكَ الذي قلته هو تَأْوِيلُ مأخذا ونتيجة ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً لاختلاف حكمي الظاهر والباطن ، حال أن حكم اللّه واحد ، لاختلاف حالتي الموضوع ، فقد ندرس من هذه الرحلة المدرسية دروسا عالية غالية ، على ضوء ما درسها موسى - وهو رسول على خضر - من أدب الدراسة - والحفاظ على شرعة اللّه على أية حال ، ثم ولاية عامة على المساكين ، وخاصة على اليتامى حفاظا على ناموس المال ، وولاية على المؤمنين حفاظا على إيمانهم كما في قتل الغلام . 83 - وَيَسْئَلُونَكَ مستمرين عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ إذ أدرك قرني الشمس شرقا وغربا ، وعاش قرنين ، وضرب على قرنيه ، وسخر له قرنا الليل والنهار ، وكأنه فوق ملك ودون رسول ، مؤيدا من عند اللّه ما قد يؤيّد به رسول قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً بوحي اللّه ، و " ذِكْراً " لا " كل ذكر " أو " الذكر " .